القرطبي
99
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) هذا من صفة الكافرين . و " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال ، أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها موارد الهلاك . ( فألقوا السلم ) أي الاستسلام . أي أقروا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت وقالوا : ( ما كنا نعمل من سوء ) أي من شرك . فقالت لهم الملائكة : ( بلى ) قد كنتم تعملون الاسواء . ( إن الله عليم بما كنتم تعملون ) وقال عكرمة : نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها ، فقال : ( الذين تتوفاهم الملائكة ) بقبض أرواحهم . ( ظالمي أنفسهم ) في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة . ( فألقوا السلم ) يعنى في خروجهم معهم . وفيه ثلاثة أوجه : أحدها - أنه الصلح ، قال الأخفش . الثاني - الاستسلام ، قال قطرب . الثالث - الخضوع ، قاله مقاتل . ( ما كنا نعمل من سوء ) يعنى من كفر . ( بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ) يعنى أن أعمالهم ( 1 ) أعمال الكفار . وقيل : إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين ، فنزلت فيهم . وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ينقاد ويستسلم ، ويخضع ويذل ، ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان ، كما قال : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ( 2 ) " وقد تقدم هذا المعنى . وتقدم في " الأنفال ( 3 ) " إن الكفار يتوفون بالضرب والهوان ، وكذلك في الانعام ( 4 ) . " وقد ذكرنا في كتاب التذكرة . قوله تعالى : فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ( 29 ) قوله تعالى : ( فأدخلوا أبواب جهنم ) أي يقال لهم ذلك عند الموت . وقيل : هو بشارة لهم بعذاب القبر ، إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين . وقيل : لا تصل أهل الدركة الثانية إليها مثلا إلا بدخول الدركة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة هكذا . وقيل : لكل دركة
--> ( 1 ) كذا في ج وى . وفى أوو : أعمالهم . ( 2 ) راجع ج 15 ص 335 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 28 . ( 4 ) راجع ج 7 ص 144 وما بعدها .